العرض المرتبط
الأولاد
حانة الأحلام
يفضل الإنسان أن يتلمس بجوارحه شعور الحرية في أغلب تفاصيل حياته ؛ وعندما يعجز في الحصول عليه من مكان ما فإنه عادة ما يهرب الى مكان آخر يحتمي فيه فيغمس مشاعره بين تفاصيله بحثاً عن الجلوس على عرش السكينة على الأقل ، ويظل يتسائل ؛ متى سترحب الحياة بآلامي وتساعدني في تضميدها لأٌشفى ؟ ، متى سأكون انا ؟ .. بالقاعة الدائرية ، بداخل أروقة المعهد العالي للفنون ؛ كان يُطرح هذا التساؤل بشكل ما حتى ولو لم يكن هذا هو التساؤل الرئيسي لمسرحية " الأولاد " والتي نُفذت عن النص المسرحي "السيد هيرولد .. والأولاد" للمؤلف "آثور فوغارد" حيث أن "بولا أسامه" قد أتقن دوره في الترجمة والدراماتورج لينقل لنا ثقافة مختلفه نتطلع منها الى أفكار ومعتقدات وظروف حياتيه قد تكون جديده على البعض .. إعتمد " بولا " في آداءه الكتابي على الحوار حيث وضع بداخله الثقه لتطوير حدث المسرحية بدرجة أكبر من التفكير في شئ ما يحدث بالفعل ليقوم بهذا الدور ، ولعل هذا الإختيار شاركه فيه مخرج المسرحية " إبراهيم الألفي " .. فبالرغم من أن الحوار كان مؤدياً لهذا الدور في بداية المسرحية الا أنه لم يستطع المحافظة على هذا النسق من بعد اول 15 دقيقة تقريباً .. فبعد دخول شخصية " هاري " التي كان المتوقع أن تقوم بتحريك الحدث للأمام قليلاً ، الا أنها إكتفت بتحويل النقاش من أهمية الرقص والنساء وعاهرة "ويلي" الى النقاش حول أهم الأشخاص المؤثرين في التاريخ وحيوات الناس ، فرأينا " هاري " ينهض ليسأل الجمهور عن أكثر الأشخاص المؤثرين في حياتهم ؟ ، خلال هذه اللحظات كنت بدأت اتلمس شعوراً غير مريحاً بداخلي لأنني بدأت إفتقاد نسق إيقاع المسرحية وحالتها العامه ..

أما الأفكار الأخرى التي طُرحت فكانت على سبيل الهامش ، لأن العلاقة بين " هاري " ووالده لم يكفيها التعبير عنها بالمكالمات التليفونيه فقط ، هناك مشاعر كان من الممكن إظهارها بشكل أعمق خاصة لأنها السبب الرئيسي لمشاكل " هاري " النفسيه في عمره الصغير ، ايضاً كان وجود الجمهور في المكان الذي تم تحديده من قِبل المخرج "إبراهيم الألفي" غير مناسباً للتكوين الدائري ، فلقد إكتفي بجلوسهم في زاوية واحده فقط في شكل نصف دائري وهو ما يشبه جلوسهم لمشاهدة مسرحية في غرفة مربعة تقليديه خاصة وأن النصف الآخر من الدائرة كان شبه خالياً ولم يتم إستخدامه إخراجياً على مستوى خطوط الحركه او ما شابه .. أيضاً بالنسبة للراقصين فلقد كان وجودهم مفتعل حيث أنهم كانوا جالسين فقط على إحدى الطاولات دون حتى التفاعل مع شخصيات المسرحيه ، كانوا جالسين فقط منتظرين " كيو " تحركهم لبدأ إستعراضهم ثم يعودون مرة أخرى الى مكانهم .. حاول "إبراهيم" و "بولا" التعمق قدر الإمكان في بعض الأفكار الفلسفية وهو ما كان مناسباً في مواضع كثيره وفي مواضع أخرى كان أكثر من اللازم لأنه كان من المهم سرد حكاية بها مشاعر مشتركه بين الثلاث شخصيات ، فلقد كان "ويلي" بعيداً تماماً عما كان يدور بين دقائق المسرحية ، كان من الممكن لهذه الشخصية أن يتم إشراكها بدرجة أكبر بين الأحداث – التي هي الأخرى لم تكن موجوده – غير الإكتفاء بأنه يحب " عاهره " .. أيضاً إعتمد الحوار في مواضع كثيره على " الإفيهات " بين الشخصيات بشكل أظهر أنها أهم من قول شئ يُطور ما يحدث أمام المتلقي .. كانت السينوغرافيا موفقه في تفاصيل كثيره ، فلقد تميز ديكور "محمود ياسر شيتوس" بمحاكاة الحانات في ذلك الزمن وتلك الثقافة الغربية ، نجح بشكل ملحوظ في تحويل القاعة الدائرية الى حانة حقيقية بالإضافة الى وجود الكثير من الكتب المعلقة على إحدى الحوائط دلالة على أفكار "هاري" المحبوسه .. وعلى جانب آخر ؛ لم تترك الإضاءة الديكور ليتميز منفرداً ، "أحمد أسامه بيكو" كانت إضاءته ساحرة ومناسبة تماماً لحالة الحانة وأجواءها الهائمة الهادئة كما انه أيضاً كان لديه آداء جيداً في الإنتقالات بين الحالات المختلفه ، أما الإعداد الموسيقي والتي هي لـ "إبراهيم الألفي" أيضاً كانت متناسقة بدرجة كبيره للحالة العامة للحانة وأشترك معه "بولا" في تنفيذها بآداء جيد جداً اللهم إلا فقط أنه كان يُفضل نزول صوت تأثير الأمطار قبل دخول شخصية "هاري" وليس بعد رؤيته للمطر من "الشُباك" ..

"إبراهيم" و "مازن" و "مصطفى" كانوا حقاً رائعين في آداء أدوارهم التمثيلية ، فلقد كان لكل واحد منهم لونه الخاص وآداءه المختلف تماماً عن الآخر ، وهذا ما ساعدهم في خلق "كيميا" تمثيلية رائعة جداً بين بعضهم البعض ، إنسجموا وأحبوا ما يُقدموه فقدموه بمشاعر مُخلصة أظهرت إمكانياتهم التمثيلية بقوه .. تميز "مصطفى" في إظهار "سام" رجلً عجوز شابت رأسه وأصبح لا مئوى له غير الحانة وهذا ما يُجبره على تحمل أي شئ وبالتحديد تحمل شخصية "هاري" المزعجة أحياناً فهو مازال شاباً صغيراً أهوج أحياناً ويَصدر منه في بعض الأوقات تصرفات طائشة رغم ثقافته ، كان "ويلي" أيضاً خفيفاً على القلب فهو شاب قليل الخبرة في الحياة يعشق الرقص وتربطه علاقة "توكسيك" بالفتاة التي تشاركه الرقص "هيلدا" على ما أعتقد ، فهو يعتاد ضربها والشجار معها ثم يجلس لينتظرها حتى تعود اليه .. لم تقل أحداث المسرحية شيئاً محدداً وهذا ما جعلني أشعر بآلام قليلة في رأسي من كثرة التفكير في "مورال" المسرحية ، ولكن هذا الأمر في بعض الأحيان يكون شيئاً غير أساسياً إذا قُدمت اليك مادة فنية نجحت في إرضائك على مستوى جوانب أخرى ، قد يكون "المورال" أحياناً هو أنه غير موجود ، قد يكتفي المخرج بتقديم مادته الفنية لمجرد تقديمها فقط ، للإستمتاع بها والإنغماس في مشاعرها دون الخروج بمعلومة محدده أو موعظة واضحه ، وهذا ما تبناه المخرج من وجهة نظري ، وهذا أيضاً لا يُعيبه في أي شئ .. في حانة صغيرة كان هاري يحلم بالطيران .. كان يحلم بألا يلجأ دائماً اليها ، كانت أحلامه أكبر من الحانه ، فوجد نفسه عالقاً في حانة .. الأحلام ...

