العودة إلى القائمة

المهرجان المرتبط

مهرجان الفضاءات غير التقليدية والقاعات الدورة الخامسة

٥ سبتمبر - ١٠ سبتمبر ٢٠٢٦

مقال عام عن المهرجان2026

حين يسقط الإنسان عن نفسه قناع الإنسانية

ندى نجيد
•
١٣ سبتمبر ٢٠٢٦
حين يسقط الإنسان عن نفسه قناع الإنسانية

ماذا يبقى من الإنسان حين يجد نفسه في مواجهة حقيقية مع غريزة البقاء؟ وهل تكفي الصورة التي صنعها عن نفسه طوال سنوات، كي تثبت أنه مختلف عن الحيوان الذي يرفض الاعتراف بوجوده داخله؟ من هذه المنطقة يأتي عرض "بلا أهمية" للمخرج أحمد حتحوت، المأخوذ عن "قصة حديقة الحيوان" للكاتب إدوارد ألبي. فالحكاية لا تتوقف عند لقاء عابر بين شخصين، وإنما تستخدم هذا اللقاء لكشف ما يمكن أن يحدث للإنسان عندما تضيق أمامه الخيارات، وتسقط بالتدريج المسافة التي كان يضعها بينه وبين الجانب الذي لا يريد رؤيته في نفسه. داخل أكاديمية الفنون، وفي فضاء مفتوح بعيد عن شكل المسرح التقليدي، تبدأ المواجهة بين توماس أو "بيتر" في النص الأصلي وچيري. لا توجد هنا خشبة واضحة تفصل الممثلين عن الجمهور، ولا عالم مسرحي مغلق يمكن الاختباء داخله. الجمهور قريب من الحدث، يرى الشخصيتين وهما تتحركان وتتصادمان أمامه، وكأن اللقاء يمكن أن يحدث في أي مكان، وفي أي لحظة. اختيار الفضاء لم يكن مجرد حل فرضته طبيعة مهرجان الفضاءات المغايرة. المكان نفسه يحمل آثار استخدامه اليومي، وهذا يمنح الحكاية قدرًا من الواقعية. شخصان يجلسان في مساحة مفتوحة، يبدأ بينهما حديث يبدو عابرًا، ثم يتضح أن أحدهما جاء إلى هذا اللقاء محملًا بأكثر مما يقول. چيري لا يتعامل مع توماس باعتباره شخصًا قابله بالصدفة وحسب. منذ البداية هناك إحساس بأنه اختاره لسبب ما، وأن الحديث الذي يدور بينهما يتجه إلى نقطة محددة. في المقابل، يدخل توماس الحوار وهو يحاول الحفاظ على المسافة التي تفصله عن الرجل الغريب أمامه. هادئ، مرتب، ومتمسك بالطريقة التي اعتاد أن يتعامل بها مع الآخرين. لكن هذه المسافة لا تبقى آمنة طويلًا. يظهر توماس في البداية كرجل مرتب، هادئ، يعرف كيف يتصرف وكيف يحافظ على صورته أمام الآخرين، لا شيء فيه يبدو مقلقًا. إنه شخص يعيش وفق القواعد التي يعرفها المجتمع ويقبلها، ويبدو مقتنعًا بأنه يعرف نفسه جيدًا، أما چيري يبدأ في اختبار هذه الصورة. مع تطور المواجهة، تتغير طريقة توماس في الكلام والحركة، ويبدأ الهدوء الذي ظهر به في البداية في التراجع. شيئًا فشيئًا، يفقد قدرته على السيطرة على الموقف، إلى أن يصل الأمر إلى تجرده من معظم ملابسه. هذه اللحظة لا تبدو مجرد فعل جسدي داخل العرض. الملابس التي كانت جزءًا من مظهر توماس تصبح مرتبطة بالصورة التي يقدمها عن نفسه. وكلما تخلى عن جزء منها، بدا وكأنه يتخلى أيضًا عن طبقة من هذا المظهر. لا يعود الرجل الذي جلس في بداية العرض بكل هذا الاتزان، وإنما شخص وجد نفسه في موقف لا يستطيع التعامل معه بالطريقة التي اعتادها، وهنا يصبح الجسد جزءًا أساسيًا من الحكاية. لم يعد الصراع قائمًا على الكلام وحده. الحركة، التوتر، الاقتراب والابتعاد، وحتى الصمت، كلها تكشف ما تحاول الشخصية إخفاءه. چيري لا يخلق شيئًا جديدًا داخل توماس، بقدر ما يدفعه إلى منطقة لم يعد قادرًا فيها على الاستمرار بالطريقة نفسها. لذلك لا تبدو المواجهة بين رجل صالح وآخر شرير. چيري نفسه شخصية مضطربة وغاضبة، ومن الصعب وضعه في خانة واحدة. أما توماس، الذي يبدو أكثر استقرارًا في البداية، فيكتشف أن هذا الاستقرار ربما لم يكن قد تعرض من قبل لاختبار حقيقي. وهذه واحدة من أهم نقاط العرض، الإنسان قد يظن أنه يعرف نفسه، لكنه ربما يعرف فقط النسخة التي تظهر منه في الظروف الآمنة. ومن هذا المنطلق، بدا الديكور شديد البساطة، مستفيدًا من موتيفات المكان الحقيقية، ومن كرسيين خشبيين لا يبدوان في البداية أكثر من عنصرين عاديين داخل الفضاء، لكنهما يكتسبان مع تصاعد المواجهة معنى آخر. لم يكن هناك احتياج إلى بناء عالم مصطنع حول الشخصيات، لأن العالم الحقيقي كان حاضرًا بالفعل، ولأن المعركة التي يريد العرض خوضها لا تحتاج إلى زخرفة بقدر ما تحتاج إلى مساحة تكشف الإنسان. حتى الإضاءة التي صممها أحمد الرمادي جاءت بدورها مرتبطة بالحالة النفسية أكثر من ارتباطها بإظهار المكان فقط. هناك توتر مستمر، وإحساس بأن اللقاء يتجه إلى شيء لا يمكن التراجع عنه. الإضاءة لا تقدم إجابات، لكنها تحافظ على حالة القلق التي يعيشها المتفرج طوال المواجهة. أما الملابس التي صممتها هبة الليبي، فجاءت في البداية هادئة ومحايدة بالنسبة إلى توماس، وهو اختيار يسمح للمتفرج بأن يتعرف على الشخصية قبل أن يبدأ الحكم عليها. وفي المقابل، يظهر چيري باللون الأصفر، وهو لون ينسجم مع حضوره المختلف وغضبه الذي يظل حاضرًا طوال العرض. ويحمل الأداء العبء الأكبر في هذه المواجهة، خصوصًا مع أحمد يسري وسمير عوض. العلاقة بين الشخصيتين لا تقوم على الحوار فقط، فهناك مساحات من الصمت والحركة تقول الكثير. وفي بعض اللحظات، يصبح ما يفعله الممثلان أهم مما يقولانه، خصوصًا مع تصاعد التوتر ووصول العلاقة بينهما إلى مراحل أكثر عنفًا. كما أن صياغة حتحوت للحوار جعلته جزءًا من الصراع، وليس مجرد وسيلة لشرح الأحداث. كل معلومة جديدة يقدمها چيري تدفع توماس إلى الاقتراب أكثر من المواجهة التي يحاول تجنبها، وكل محاولة من توماس للابتعاد تبدو وكأنها تؤجل الانفجار فقط. وتدعم موسيقى محمد الشعراوي وحركة وصراع الجسد التي صممها هشام شقاوة هذا التصاعد، خصوصًا أن الجسد في العرض لا يعمل باعتباره وسيلة للحركة فقط، وإنما يصبح أداة للتعبير عن الخوف والغضب والرغبة في السيطرة. ومن هنا يعود عنوان "بلا أهمية" ليأخذ معنى مختلفًا. ربما لا يتعلق الأمر بأن الحكاية بلا أهمية، وإنما بفكرة الأهمية نفسها. ما الذي يصبح مهمًا للإنسان عندما يشعر بأن وجوده مهدد؟ وهل تظل المبادئ التي يتحدث عنها في حياته اليومية ثابتة عندما يضطر إلى الدفاع عن نفسه؟ العرض لا يقدم إجابة مباشرة، وربما قوته في أنه لا يفعل ذلك. فهو يترك المتفرج أمام احتمال غير مريح، أن الإنسان لا يعرف نفسه بالكامل إلا عندما يوضع في موقف يجبره على الاختيار. في الظروف العادية، من السهل أن نرى أنفسنا أشخاصًا طيبين، متسامحين، ومتمسكين بالقواعد. لكن ماذا يحدث عندما تختفي المساحة الآمنة؟ عندما يصبح الآخر مصدر تهديد؟ وعندما تتحول الرغبة في النجاة إلى قوة أقوى من كل ما تعلمناه عن السلوك الصحيح؟ هنا تحديدًا تصبح مواجهة توماس وچيري أكبر من مجرد لقاء بين شخصين. أحدهما يحاول أن يحافظ على الصورة التي يعرفها عن نفسه، والآخر يدفعه إلى اختبارها. ومع كل خطوة في هذه المواجهة، يتراجع الفاصل بين الإنسان الذي نراه والجانب الآخر الذي لا نحب أن نعترف بوجوده. ربما لهذا لا يحتاج "بلا أهمية" إلى عالم مسرحي مزدحم. فالمكان الحقيقي يكفي، والكرسيان يكفيان، والجسد يكفي. لأن المعركة الأساسية ليست في المكان، وإنما داخل الشخصية نفسها. ينتهي العرض، لكن ما يتركه وراءه لا ينتهي مع آخر حركة للممثلين. ربما لأن المواجهة التي حدثت أمامنا لم تكن تخص توماس وچيري وحدهما. طوال الوقت، كان هناك شيء مألوف في خوف توماس ومحاولته التمسك بما يعرفه عن نفسه، وفي الطريقة التي يتغير بها الإنسان عندما يشعر أن الأمور خرجت من يده. وهنا تحديدًا يترك "بلا أهمية" أثره الحقيقي. لا يقول لنا إن الإنسان حيوان، ولا يحاول أن يمنحنا إجابة سهلة عن الخير والشر. فقط يضع الشخصية في موقف لا تستطيع فيه الاستمرار كما كانت، ثم يتركنا نراقب ما يحدث.

مقالات مرتبطة

حانة الأحلام
مقال عام عن المهرجان2026

حانة الأحلام

الكاتب: إسلام طه•٦ سبتمبر ٢٠٢٦

يفضل الإنسان أن يتلمس بجوارحه شعور الحرية في أغلب تفاصيل حياته ؛ وعندما يعجز في الحصول عليه من مكان ما فإنه عادة ما يهرب الى مكان آخر يحتمي فيه فيغمس مشاعره بين تفاصيله بحثاً عن الجلوس على عرش السكينة على الأقل ، ويظل يتسائل ؛ متى سترحب الحياة بآلامي...

اقرأ المزيد →

وراء كل درس ثمنه للحياة
مقال عام عن المهرجان2026

وراء كل درس ثمنه للحياة

الكاتب: مروة خالد•٧ سبتمبر ٢٠٢٦

للفن جمال تفهمه أرواحنا ونفرح به يعبر عن أفكارنا مشاعرنا والتي أحيانا نعجز عن شرحهها بالكلام انه تعبير حر بابجديه مغيره والخروج عن المألوف. افتتح المخرج عرضه من خلال مشهدا صامتا خلال بضع ثواني هذا مشهد بدا الممثل احمد ضيف الذي قام بدور الاستاذ قام ب...

اقرأ المزيد →

فقدان السكينة ؛ يؤرقنا كثيراً
مقال عام عن المهرجان2026

فقدان السكينة ؛ يؤرقنا كثيراً

الكاتب: إسلام طه•٧ سبتمبر ٢٠٢٦

من مِنا لم يعان مرة أو عدة مرات في حياته من الأرق ؟ ، من مِنا تمنى أن يَنعم بساعات قليلة تريح عقله وأعضاء جسده ؟ ، أن يرتاح قليلاً من صِراعات الحياة وظروفها المُهلكه ، يغمض عينه فتحتضنه جفونه في سلام هادئ وتطير به الى سماء اللاشئ ؛ حيث يوجد اللاشئ .....

اقرأ المزيد →