العرض المرتبط
برجاء التقرب من الموت
فقدان السكينة ؛ يؤرقنا كثيراً

من مِنا لم يعان مرة أو عدة مرات في حياته من الأرق ؟ ، من مِنا تمنى أن يَنعم بساعات قليلة تريح عقله وأعضاء جسده ؟ ، أن يرتاح قليلاً من صِراعات الحياة وظروفها المُهلكه ، يغمض عينه فتحتضنه جفونه في سلام هادئ وتطير به الى سماء اللاشئ ؛ حيث يوجد اللاشئ .. لا يجد نفسه مُكلفاً بشئ ، ولا مهموماُ بصراعات داخلية تُفسد عليه لحظات سكونه ..
بين أحضان أروقة المعهد العالي للفنون ؛ طرح المخرج والمؤلف " عبدالله نبيل " هذه الحالة عندما إقتبس نصه من روايات ( رسائل من باطن الأرض – المقامر – الأبله ) للكاتب الروسي " فيودور ديستويفسكي " ، فرأينا بطل مسرحيته الوحيد يقوم بإشراكنا تفاصيل ليلة من ليالي صعبة عاشها في معاناته مع الأرق .. شاركنا هذه الليلة في غرفته على السطح وهو ما جعل إختيار "عبدالله نبيل" كـ مخرج لتنفيذ المسرحية على فضاء " السطح " إختياراً موفقاً فكان الأمر طبيعي أن يجلس الجمهور بالسطح ليشاهد معاناة البطل الذي جسده "حسن خالد" بتفوق كبير حيث كانت طاقته على أقوى درجاتها طوال دقائق المسرحية وإستطاع بإحترافيه أن يُقسم جُهده بطريقة ذكية جعلته قادراً على إعطاء كل دقيقة حقها الكامل من مشاعر وطاقة وتميز في نُطق اللغة بأسلوب دقيق ومُمتِع للآذان ..
وبينما كان البطل يحكي معاناته مع الأرق بدأ في سرد خباياه النفسية التي يعاني منها والتي هي سبب ما يؤرقه من الأساس ، فعرفنا أنه كاتب تميز بكتاباته عن كل المجالات حتى أنه كتب عن الرب ، وأنه إختار العزله التامه لأنه كره الناس لكن الحقيقة تبدوا أنه كَرِه نفسه لأنه لم ينجح في أن يكون على الأقل شخصاً عادياً ، لا يُشترط أن يفوز ولكن على الأقل لا يخسر مثلما خسر هو في حياته ، فالمقامره وترك نفسه لهواها أودى بحياته الى الإكتئاب والوحدة بعدما أنهكت حياته ودمرتها شيئاً فشيئاً حتى وجد نفسه قد خَسر حياة إبنه الوحيد بسبب نفسه ..
تميزت سنوغرافيا المخرج " عبدالله " بتنقلاتها الكثيرة على مستوى الإضاءة التي أجادها "أحمد الجوهري" بشده ، فكانت تفاصيلها كثيرة بطريقة ممتعة ، حكت تفاصيل الغرفة بإتقان وإنتقلت بنا بين الحلم والواقع والماضي بسهولة وذكاء بل وأنها كانت مُتقنة أيضاً على مستوى التنفيذ في التوقيت المناسب .. الموسيقى على مستوى الإعداد لـ "هشام هديب" أو التنفيذ لـ"محمد الفص" كانت أيضاً جيدة جداً ، إمتاز الإعداد ولكن التنفيذ لم يكن موفقاً في القليل من اللحظات .. كشفت أيضاً تفاصيل ديكور "كنز عزت" شخصية البطل بأهواءه وصراعاته وماضيه وحاضره الذي يعاني منه من تفاصيل إختارت وضعها بلمسات ذكية بداية من الروليت الى شِباك الرسائل الى إختيار "البرجوله" تحديداً لتكون سقف الغرفة بدلاً من إختيار "سطح" آخر بالمعهد .. ملابس "ساندرا سامح" كانت أيضاً موفقة وواقعية ..
قدم "عبدالله نبيل" مادة فنية دسمة مليئة بالمشاعر المختلفة والمرتبكة لشخص دمر حياته بنفسه فكره نفسه واختار العزلة حتى الموت ، لم يعد يهتم بكونه مبدعاً او كونه إنساناً من الأساس ، فقدان الروح يجعلنا نموت أحياء وهذا أصعب ما قد يواجهه الإنسان في حياته .. ناقش البطل ربه كثيراً وهذا ما يدل على تدينه ولكنه كان يعاتبه كثيراً وهذا ما يدل على إستمرار شعوره بالذنب تجاه حياته .. ولكنه في النهايه سَلّم الى الهروب التام ليتقرب أكثر .. ويحتضن الموت


