العرض المرتبط
في يوم وليلة
قطبا الواقع المرفوض والخيال المُرْضي

ماذا لو كان ما أشعر به حقيقيًا؟ ماذا لو لم يكونوا على حق؟ هل كانت رؤيتي لهذا الموقف نابعةً من الحقيقة، أم أنها مجرد مبالغة مني في تقدير الأمر! أم أن الأمر بالفعل بهذا الحجم، وأنا أحاول التقليل من شأنه إرضاءً لذاتي، حتى أستطيع استيعابه ويستقر بداخلي.. أيعقل أن تكون محاولتهم مجرد وسيلة للتخلص من شعورهم بالذنب وإثبات حسن نيتهم! أم أنهم بالفعل على حق، وأنا المخطئ؟ أم أن الحقيقة في مكانٍ ما بين هذا وذاك، وأنا أحاول عبثًا أن أجد لها تفسيرًا يناسبني؟ نحن البشر كثيرًا ما نحمّل عقلنا الباطن أعباء التفكير المفرط والبحث والتحليل بدرجة قد تفوق نشاطه الطبيعي، مما قد يؤدي بصاحبه إلى الهلاك. فكثيرًا ما نجد أنفسنا أمام بعض الأسئلة الوجودية ذات الطابع النفسي التي تضعنا في موضع حرج أمام أنفسنا، مما يقودنا لاإراديًا لتبني إحدى آليات الدفاع النفسي للتخفيف من حدة الموقف الأصلي، والقدرة على التعامل معه بما يتناسب مع سمات شخصيتنا والبيئة التي ساهمت في تكويننا. بين أربعة جدران داخل القاعة الدائرية بالمعهد العالي للفنون المسرحية، استطاع محمد صلحي أن يعكس لنا عملية نفسية عميقة داخل النفس البشرية بقلمه؛ وعلى مدار خمس وأربعين دقيقة شارَكنا بالعرض المسرحي "في يوم وليلة"، الذي سلط الضوء على النفس البشرية بشكل مباشر. إذ ظهرت لنا شخصية "يوسف"؛ بطل القصة الذي يرى زوجته داخل أروقة منزلهما في جلسات ومواقف رومانسية، حتى وإن كانت تحمل في دواخلها بعض الرفض المتكرر من ناحية "سارة" زوجته، والتي كشف لنا شخصية الأب القائم بدورها نزار سيف أن سارة ما هي إلا خيال يراه يوسف وحده، وأنها قد ماتت بالفعل بمرض السرطان. وهو المرض الذي سبّب له معاناةً للمرة الثانية بعد وفاة أمه بالمرض نفسه، مما جعله يشعر بالكراهية تجاه والده لاقتناعه التام بأنه كان بعيدًا ومنشغلًا بأمور الدنيا وقت حادث وفاة والدته، وتركها وحيدة تعاني بمفردها. ومع تزايد الأحداث، وبالرغم من أن هذه الفكرة تتملك شخصية يوسف وتجعله يشعر بالكره تجاه أبيه، إلا إنها تنعكس بشكل واضح على علاقته الخيالية بزوجته سارة؛ فقد ظهرت سارة في العديد من المرات وهي تحاول أن تسقط مثل هذه الاتهامات على يوسف، محاولةً إقناعه بأنه نسخة من أبيه، وأنه تركها وقت المرض ولم يكن يعيرها اهتمامًا في مقابل العمل وتوفير مستوى معيشي مناسب، كما تحاول التخفيف من حدة موقفه تجاه أبيه بالتماس العذر له وتفهّم موقفه. وعند هذه النقطة بالتحديد، يخلق لنا تصاعد الحدث سؤالًا نفسيًا هامًا: لماذا تنعكس رؤيته لموقف أبيه مع أمه وقت المرض على علاقته بزوجته، بالرغم من أنها من وحي خياله هو، ومن صنع عقله الباطن فقط؟ أيمكن أن يكون ذلك استخدامًا لآلية التوحد النفسي مع أبيه، ومحاولةً لاشعورية منه لإيجاد بعض التبريرات التي قد تخفف من حدة الألم بالرغم من الصراع النفسي القائم؟ (وهذا ما ظهر لنا عندما حاول الانتحار كما فعل أبوه من قبل)، أم أنه استخدام للإسقاط كحيلة دفاعية عن النفس بطريقة غير مباشرة لتخفيف تأنيب الضمير؟ قد يختلف المتلقون في هذا الأمر، ومنهم من يرى أن هذا الانعكاس النابع من شخصيته يعد من فعل "الكارما" كـرد فعل لشعوره تجاه أبيه، ورداً على فكرته المغلوطة عن الحدث وقت وفاة أمه، أو جهله بها وعدم إتاحة الفرصة لأبيه للدفاع عن نفسه أو التبرير. ولكن في جميع الأحوال، نجح محمد صلحي بجدارة في إيصال حالة العرض والحالة النفسية لشخصية يوسف منذ اللحظات الأولى، وحتى قبل أن يتثنى لنا بدء المشاهدة بدقائق.. فقد ظهر بحالة من التوتر، القلق، شرود العين، ورعشة اليد عند استخدام فرشاة الرسم، فضلاً عن عدم الاهتمام بذاته بدايةً من ملابسه وحتى المكان المقيم فيه. كل هذه التفاصيل لفتت جميع الأنظار إليه وجذبت اهتمام الجمهور منذ اللحظة الأولى باستخدامه براعة الاستهلال أفضل استخدام. وهو ما سانَده ودعّم حالة العرض أيضًا من خلال الإعداد الموسيقي لنزار سيف، الذي أبدع بموسيقى ملائمة لغرض كل مشهد، مما جعلها تؤدي دورها على أكمل وجه وتساهم في زيادة التفاعل من قبل الجمهور بشكل واضح. كما أضافت نور العربي عن طريق مشهد واحد فقط، روحًا كسرت أجواء العرض ببعض القبول وبدون مبالغة؛ فقد أتقنت دور الفتاة التي تحاول جاهدة مساعدة صديقها "مازن" بأن يخرج صديقه "يوسف" من حالته النفسية المحبوس بداخلها، فقد جاء شخصية مازن تحاول بجميع الطرق مساعدته و جاءت الفكرة بأن يرى فتايات أخريات لتساعده على تخطي أمر فقدان زوجته بعدما فشلت محاولاته السابقة. فقد جذبت نور العربي الانتباه مرة ثانية بعد أن كاد الحوار يميل للتكرار والتشابه في الأحداث بعض الشيء، مما فتح بابًا لبداية الشعور بالملل من قبل الجمهور، فقامت بدور فعال باعتبارها المنقذ في تلك اللحظة. بالإضافة إلى ذلك، خدمت الإضاءة الحالة النفسية للعرض بالشكل المطلوب الذي يتناسب مع القاعة الدائرية دون إزعاج لرؤية المتفرج، فكانت العامل المسيطر على المشهد في كثير من الأحيان التي ظهر فيها ضعف "الموتيفات". فعلى الرغم من أن العروض المقامة ضمن مهرجان الفضاءات غير التقليدية تعتبر عروضًا تفاعلية قريبة من الجمهور بدون حواجز وحدود المسرح الكلاسيكي، مما يعني الحرص التام في التعامل مع جميع العناصر المسرحية و من ضمنها الإكسسوارات ليتيح للجمهور التوحد مع الممثل في حالته والتفاعل معه بالشكل المرجو لحدوث الاندماج الكامل والدخول في مسار الأحداث باعتبار العرض مساحة تفصلنا تمامًا عن العالم الخارجي؛ إلا أنه جاءت كثير من الإكسسوارات فارغة، وكان استخدامها سطحيًا كالأكواب والأطباق الفارغة بالمطعم، وعدم فتح "مازن" الشباك للتهوية عندما تقزز من رائحة بيت يوسف مما جعل من السهل خروج الجمهور من حالة الاندماج التي وضعنا فيها العرض منذ البداية. وفي النهاية، عكس لنا العرض المسرحي "في يوم وليلة" جزءًا من شخصيتنا في التعامل مع الأمور؛ أظهر لنا الجزء السطحي الذي لا يخلو منه أي إنسان، والذي يميل للأنانية وتبني فكرة من وجهة نظر واحدة دون النظر لغيرها. جعلنا ننظر بتعمق، وأثار في نفوسنا جميعا التساؤل: أيٌّ من الحيل النفسية الدفاعية ألجأ إليها حينما يثقل عليّ تقبُّل الأمر؟ جاري البحث....


