صرخة خرساء من القاع

"تخيل أن تكون أساسًا، فتهمش لتصبح أثاثًا"، هناك، في صفٍّ أخير لا تطاله الأضواء، تتماهى مع أثقال تحملها على ظهر محنيّ، فيتحول إلى زنزانة اختيارية تستميت في الدفاع عنها، رغم يقينك الموجع أنها تسلبك حقك الإنسانيّ في أن تُحب أو تُرى. في هذا الاغتراب الموحش، تُأنسن الأشياء الباردة من حولك لتعوضك عن دفءٍ بشريّ مسلوب، وحين تضيق عليك دائرة الوحشة، وتلملم شتات نفسك استعدادًا لانتفاضة، ترتطم بذاتك التي لم تلفِظ إلا صرخة خرساء تذوب تحت طوفان الضجيج، فترتد حاضنًا قيوده، بانتظار غد ما هو إلا نسخة مشوهة مصبوغة بلون الأمس. تلك الأزمة الوجودية تجلت في الرؤية التي قُدمت في العرض المسرحي "الكونترباص" تأليف "باتريك زوسكيند"، دراماتورجي "عبد الرحمن العراقي"، إخراج "فارس وائل"، ضمن فعاليات مهرجان الفضاءات غير التقليدية بالمعهد العالي للفنون المسرحية، في دورته الخامسة، دورة الأستاذ الدكتور "عبد ربه حسن". جسد العرض معاناة عازف كونترباص مهمش تهرب منه الأضواء، أو بالأحرى تتجاهله، لقد وضعنا المخرج في فضاء دائريّ موصد، يحبس في جوفه الجسد والروح، داخل حلقةٍ مفرغة من الروتين القاتل، تتوق الروح للخروج ويأبى الجسد، يهوى القلب والعقل رافض، فجسدت مهندسة الديكور "بسملة وائل" هذا السجن المصمت، بنوتات موسيقية ونغمات تتدلى من سقف ذلك الفضاء الدائريّ الذي يمثل بيت العازف، وهناك صورة له على الحائط منزوع منها الألوان، أي أنها فقدت بهجتها وروحها، كإشارة لانطفاء روح هذا العازف وسجنها داخل تلك الدائرة، بينما نجد قطع ديكور بسيطة مثل طاولة على اليمين وكرسي على الجانب الآخر وكرسي في المنصف وفي الناحية الأخرى علاقة الملابس، تلك القطع الصغيرة رغم بساطتها إلا كانت أكثر من كافية لإنتاج سيل من الرموز التي أعطت للعرض ثقلا دراميًّا. بداية العرض كانت مع العازف واقفًا في ركن في آخر الغرفة ونسمع صوت الأوركسترا تعزف، وبعد انتهائها يتسلط ضوء على وجه العازف القابع في الخلف وسرعان ما يهرب منه الضوء، تلك بداية البسيطة في تنفيذها عميقة في معناها، فتلك الثواني المعدودة شرحت لنا مأساة شخص بالكامل، تتلاحق المشاهد لتتحول الخشبة إلى مختبر نفسي ووجودي، يفكك فيه المخرج والممثل عرى العلاقة الملتبسة بين العازف وآلته؛ فتتجلى ثنائية العشق والعبث منذ اللحظة الأولى حين يتراقص بوجهه سعادةً ملوحاً للضوء المبشر بالظهور، وما إن يلامس الكونترباص قرين شقائه وموضوع عشقه حتى ينחني كاهله تحت وطأة الهم، في مفارقة درامية تعكس متلازمة الارتباط بالجلاد، لا يكتفي العازف بالتعامل مع الآلة كجماد، بل يمارس أنسنة كاملة تتجاوز حدود الواقع، فيقلع قناعه الاجتماعي ويعامل الكونترباص ككائن بشري أو حبيب بديل يعوضه عن جفاء العالم، محتضناً إياه بعبارات "أنا أحبك" في تشبث مرضي يكشف عن عجز تام عن الفكاك؛ فحين يحاول الابتعاد، يترجم جسده هذا الاستلباب سقطة عنيفة كأن الآلة تمسك بقدمه وتجره إلى قاعها، بينما تتجسد لحظات الهروب الميتافيزيقي في أوجاع الحلم الموسيقي، حيث يتحول العازف إلى راقص يعانق الخفة كأنه انتقل إلى عالم آخر، ليصطدم بعدها بالهشاشة الطفولية المفجعة التي تنتهي به طريح الأرض مطمورًا تحت ثقل الآلة العملاقة التي تطمره كقبر مسبق الصنع. تتفرع الدلالات لتشمل التشريح الطبقي والعائلي؛ إذ يحول العازف قطع الديكور البسيطة إلى عائلة تحيط به، فالأب المسيطر يتحكم في الطاولة، والأم العازفة ترسل نغماتها من فوق العليقة التي تُلقى على الأب، والابنة المفضلة تجلس على الكرسي الخاص، بينما ينعزل هو في الركن الأقصى وحيدًا مهجورًا، وفي مقابله في الناحية الأخرى الكونترباص كأنه يرى نفسه، واستخدام قطع الديكور بهذا الشكل دلالة بصرية قاطعة على أن الديكور نفسه ليس سوى عائلته المحرومة من الدفء والمكرسة لاغترابه، وحين يقتحم عالم المؤسسة الرسمية، يتحول ركضه خلف ومضات الكاميرات المزيفة وصوت الفلاشات إلى سخرية لاذعة من وهم الشهرة؛ فالجميع يُلتقطون في الصور سوى هذا المهمش الدائم. مع تصاعد المأساة، يتجلى عبث سيزيف المعاصر حين يحمل الآلة على ظهره صاعدًا نحو لا شيء، بينما يواجه جحود المجتمع الذي يبصق عليه، ليدور في حلقات مفرغة تختتم بجلوسه المكسور تحت صورته الباهتة، مرددًا بلا طائل: "لا أستمتع ولا أحس واليوم مثل الأمس"، مغلفًا هشاشته بقناع الاحتراف المزيف وهو يتخلص من ديكور العائلة. ويستمر العازف في أنسنة الكونترباص، حيث يُلبِسه رابطة عنق ويقف فوق الطاولة طاعنًا إياه بوصفه آلة بشعة لا تفقه النغمات، كرهه الشديد للآلة نابع من كرهه لذاته المهمشة، التي وضعت بسببها في أسفل هرم الأوركسترا، حيث تتجسد هيراركية المجتمع في ترتيب الأوركسترا، فالكمنجات تحظى برفع الأيدي والتصفيق، بينما يرزح هو في أسفل الهرم، ولم يقف النقد عند هذا الحد، كسر الحدود ليدمج المتلقين في هذه الأوركسترا القمعية، متوجًا سخريته السوداء وجلده الذاتي حين يزحف ليلبس سلة المهملات على رأسه معلنًا انتماءه لقمامة النسق، محاولاً تسلق الجدار نحو قمة "الهرم" تحت شعاع شمس أصفر ساطع، بينما يرتدي سلة القمامة على رأسه، في مزيج مبهر يعبر عن عبثية الصعود المستحيل، وحين يتردى في درك الوحدة الأعمق، يتحول الكونترباص - هذا القرين الصامت - إلى رفيق سكر ومؤانسة عبثية؛ فيجلس إلى جواره والربطة تحيط بعنقه، يشكو إليه مرارة الهوس بسارة، مطربة السوبرانو التي لا تلتفت لمثله، ولا ترى سوى عازف بيانو أو مايسترو على الأقل، بينما يواجهه الباص بصوت أوتاره الساخرة كأنه يبصق في وجهه، ليتحطم كبرياؤه على صخرة الوهم، لينهار حزنًا على الطاولة مستسلمًا لسبات ثقيل، مستحضرًا طيف محاولات فاشلة لفرض وجوده على حبيبته مغنية السوبرانو، متمنيًا لو أنه تمرد ونسف النوتة أو قذف بالآلة في عرض المسرح فقط لتلتفت له. وبعد وضع آلته على كرسيه كأنه يضع نفسه ليعتصر كأسًا أخرى من خيبته، معلنًا الحقيقة المرة "أنا صنايعي في أعماقي لست موسيقيًا"؛ فلو مُنح موهبة الغناء لالتفتت إليه العيون، لكنه كُتب عليه أن يُخربش بلا توقف على آلة يمقتها. وهنا يطرح سؤاله الوجودي القاسي على المتلقين: هل تشبه وظائفكم أرواحكم أم أنها أقفاصكم؟ محقرًا فعله الفنّي ذاته حين يختزل العزف في أصابع أربعة تنزف على الأوتار لتنتج صوتًا عقيمًا. وفي ذروة الانفجار والتمرد الموعود، يعلن الاستقالة بخلع مظهره البرجوازي ليكشف عن عري حقيقته ببنطالٍ قماشي، صارخًا باسم سارة بعلو صوته وهو وحده في غرفته متوعدًا بالانفصال والتحليق، ليعيد الآلة إلى قفصها الخلفي، وفي الخاتمة التراجيدية الكبرى، يحاول أن يطلق صرخة مدوية خلف الأوركسترا التي يعلو صداها، لكن الصوت يخونه، وتتلاشى محاولاته أمام هدير الموسيقى، ليسدل الستر على عازف ظل حبيس قاعه، عاجزً حتى عن الصراخ. تلك الدراما لم تكن لتؤثر هذا التأثير بنا لولا وجود ممثل جيد يستطيع إيصال تلك المعاناة لنا، ممثل يجيد الصمت قبل الكلام؛ إذ لم يكن المخرج والممثل "فارس وائل" مجرد مؤدٍّ يستعرض دوره، بل كان متلبسًا لروح الشخصية حتى الثمالة، يؤمن بما يلفظه لدرجة اليقين الذي يتجسد بوضوح جليّ في نظرات عينيه المرتجفتين وتفاصيل جسده المنهك، وقد تجاوز أداؤه الجسدي حدود الحركة التقليدية؛ فكان ينساب برقة وانسيابية كأنه يرقص ويطير في فضاء وهمي يخصه وحده، ليصنع مفارقة بصرية قاسية وساحرة بين ثقل القيود المادية المربكة وخفة الروح التائقة للتحليق، بهذا الحضور الطاغي والصدق الفني، استطاع "فارس وائل" أن يحول شجن العزف المنفرد إلى ملحمة إنسانية عارية، تثبت أن الصرخات الخرساء مهما همشها ضجيج العالم تترك في الوجدان جرحًا غائرًا لا يلتئم، وصدى يظل يتردد طويلاً حتى بعد أن تُسدل الستائر. وأكملت الملابس من تصميم "ميار ممدوح" الصورة، فهي لم تكن مجرد ملابس رسمية يرتديها عازف في حفلاته، إنما كانت خلف تلك البدلة الرسمية استكمالا لمعاناته، حيث نرى على القميص المزيد والمزيد من النوتات الموسيقية، فحتى حين نزع الملالس الرسمية يبقا هو داخل سجن الموسيقى كأنه مسجون فيه لا يقوى على الخروج. وقد تكامل عنصرا الإضاءة والموسيقى ليتحولا إلى شريكين دراميين صامتين في فضح المأساة، فعلى صعيد الإضاءة من تصميم "عبد الله محمد"لعبت دور الجلاد المراوغ؛ فهو يبدأ بسبوت يلامس لفترة قصيرة وجه العازف القابع في الركن، ثم يسرعان بالهرب منه كأن الأضواء نفسها تتبرأ من وجوده وترفض الاعتراف به، ولا تتوقف المفارقة البصرية عند هذا الحد، بل تتنقل عبر ومضات (فلاشات) كاميرات وهمية تلاحقه لتوثق زيف الشهرة الرسمية التي لا تلتفت إليه أبدًا، وصولاً إلى ذروة التوظيف البصري حين يسطع "سبوت أصفر" حارق كأنه شمس قاسية تضيء عبث محاولته المستحيلة لتسلق الجدار نحو قمة الهرم، وهو يرتدي سلة المهملات على رأسه في مشهد يعري قسوة النسق وعبثية الصعود. أما على مستوى الموسيقى والمؤثرات الصوتية من تأليف "شادي بدر"، فلم تكن مجرد خلفية مسموعة لتلطيف الأجواء، بل كانت مرآة حية لتصدعات الروح؛ تبدأ بصوت الأوركسترا الفخم الذي ينتهي ليترك مكانه لصمت مطبق، وتمتد لتشمل ردود أفعال الآلة ذاتها التي تحولت إلى صوت ساخر يبصق على أوهامه، وصولاً إلى التفاصيل الدقيقة المعبرة؛ كاستخدام عصا الآلة كمظلة هشّة تحت وقع صوت المطر الخارجي، لتتوج هذه الملحمة السمعية بهدير الأوركسترا الجارف في الختام، ذلك الهدير الهائل الذي سحق آخر محاولات البطل لإطلاق صرخته. هكذا، يطوي العازف أجنحة تمرده الوهمي، مرتدًّا إلى عتمة الصف الأخير، ليرضى بأن يكون أثاثًا مستهلكًا في بناء هيراريكي أعمى نسيت جدرانه الصماء أنه الأساس، ويسدل الستار على مأساة إنسان آثر البقاء في زنزانته الاختيارية، ويتركنا المخرج أمام لوحة بصرية وفكرية متكاملة تثبت أن العرض لم يكن مجرد معالجة تقليدية لنص أدبي، بل كان تشريحًا فلسفيًا ونفسيًا جارحًا لاغتراب الإنسان في مواجهة هيراركية العالم.


