العودة إلى القائمة

العرض المرتبط

شمس وقمر

المهرجان المرتبط

مهرجان الفضاءات غير التقليدية والقاعات الدورة الخامسة

٥ سبتمبر - ١٠ سبتمبر ٢٠٢٦

مقال عام عن المهرجان2026

حبيبان في مدارين لا يلتقيان

ندى نجيد
•
٩ سبتمبر ٢٠٢٦
حبيبان في مدارين لا يلتقيان

ماذا لو كان أقسى ما في الحب أنه ينجح في الوصول إلينا، ثم يعجز عن إبقائنا معًا؟ أن تلتقي بمن يوقظ فيك الجزء الذي ظل نائمًا، بمن يملك القدرة على أن يجعلك ترى نفسك للمرة الأولى خارج حدود صورتك القديمة، ثم تكتشف أن كل ما يلزم لاكتمال الحكاية ليس الحب، بل ظرفًا مناسبًا لا يأتي. هنا تبدأ مأساة "شمس وقمر"؛ لا من سؤال: هل يحب أحدهما الآخر؟ وإنما من السؤال الأكثر قسوة: ماذا يفعل الحب حين يكون موجودًا، بينما الحياة غير مستعدة له؟ يستيقظ رجل وامرأة في مكان غريب لا يعرفان كيف وصلا إليه، منزوعين من الذاكرة، ومحرومين من حرية المغادرة، وقد رُبطا إلى بعضهما بحبل لا يسمح لأحدهما بالابتعاد عن الآخر. لا يعرفان من يكونان، ولا لماذا جمعهما هذا المكان، ولا إلى أين ينبغي أن يذهبا، فيبدآن رحلة البحث خلف حكايات تتوالى أمامهما: حبيبان، خطيبان، زوجان، أشكال متعددة لعلاقة واحدة، لكن جميع الطرق تؤدي إلى المصير ذاته: الفراق. غير أن المفارقة الأشد أن الشخصيتين، وهما تبحثان عن تفسير لحكايات الآخرين، كانتا تقتربان تدريجيًا من اكتشاف حكايتهما الخاصة. تلك هي الأحجية التي يضعها المؤلف والمخرج جمال عبد الناصر في قلب عرضه "شمس وقمر"، المشارك ضمن فعاليات مهرجان الفضاءات المغايرة، في ليلته الثالثة؛ عرض يبدو في ظاهره بحثًا عن الذاكرة، لكنه في عمقه بحث عن معنى الآخر، وعن ذلك الحد الفاصل بين أن تجد شخصًا يشبهك وأن تجد شخصًا يجعلك أكثر اكتمالًا لأنك لا تشبهه. اختار العرض البرجولة والسلم فضاءً له، ولم يكن الاختيار محايدًا؛ فالمسرح هنا لا ينفصل عن طبيعة الحكاية. نحن أمام شخصيتين عالقتين في مكان لا تفهمان قوانينه، والجمهور نفسه لا يستقر في نقطة مشاهدة واحدة، بل يصبح جزءًا من حركة العرض وانتقالاته. كأن المكان يرفض منذ البداية أن يمنح أحدًا موضعًا ثابتًا. لكن المفارقة أن الإمكان الجمالي لهذا الاختيار اصطدم بحدوده العملية؛ فصعوبة السيطرة على انتقال الجمهور بين فضاءين متجاورين أدت في بعض اللحظات إلى تشتته، وأصبح جزء من زمن العرض مهدورًا بين محاولة المتلقي أن يعرف أين ينبغي أن ينظر وماذا ينبغي أن يسمع. وهنا يفقد الفضاء المغاير بعضًا من قوته، لأن كسر المسرح التقليدي لا يكتمل بمجرد تغيير المكان، بل يحتاج إلى إعادة ضبط دقيقة لعلاقة المتلقي بما يحدث. ومع ذلك، فإن اختيار الفضاء يظل قادرًا على إنتاج دلالة أساسية: لا أحد في "شمس وقمر" يعرف تمامًا أين يقف. لا الشخصيتان، ولا الجمهور. ومن هذه النقطة يصبح الانتقال إلى السينوغرافيا انتقالًا من المكان الخارجي إلى القيد الداخلي. الحبل هو العلامة الأكثر حضورًا. حبال كثيرة تنتشر في المكان، لكن كل هذه الحبال تبدو في النهاية نسخًا متفرعة من الحبل الذي يربط الرجل بالمرأة. إنه القيد الأول، لكنه أيضًا الرابط الأول. شيء يمنع الحركة، لكنه في الوقت ذاته يمنع الضياع. وهنا تتولد إحدى مفارقات العرض الأكثر ثراءً: هل كل ما يقيدنا شر بالضرورة؟ ربما لا. فأحيانًا لا يكون القيد هو السجن، بل الطريقة الوحيدة التي تمنعنا من السقوط في العزلة. والملابس، من تصميم هالة علي، تعزز هذه الفكرة من خلال حضور اللون الأبيض. الأبيض هنا لا يبدو مجرد اختيار جمالي، بل نقطة صفر؛ لون يسبق الذاكرة، ويشبه صفحة لم تُكتب عليها الحكاية بعد. شخصيتان منزوعتان من ماضيهما، ولذلك تبدوان كأنهما خرجتا للتو من حالة البدء الأولى، قبل أن تتراكم عليهما أسماء العلاقات وتجاربها وندوبها. لكن المفارقة أن هذا البياض لا يستمر طويلًا بوصفه حيادًا؛ فمع تقدم الحكاية، تبدأ الأشياء في اكتساب معانيها، ويتحول المكان من فراغ إلى شبكة من العلامات. الحبل، الملابس، الحركة، والجسد؛ كلها تصبح أجزاء من منظومة واحدة تقول إن الإنسان لا يدخل علاقاته حرًا تمامًا، بل محمولًا على ذاكرة وظروف وتوقعات وقوانين لا يختارها دائمًا. أما الديكور، فمع تصميم هالة علي، جاء في معظمه موظفًا لخدمة هذه الدلالات أكثر من كونه منتجًا لطبقات مستقلة من المعنى. والحبال تحديدًا كانت أكثر عناصره وضوحًا، لأن الحبل الذي يجمع الشخصيتين نجح في اختزال الفكرة التي تكررت حوله بقية المفردات. غير أن أكثر ما توهج في العرض جاء من منطقة أخرى تمامًا: الممثلان. يقدم أدهم ڤيتو ومريم عاطف ثنائية تقوم على التناغم بقدر ما تقوم على الاختلاف. لا يبدو أحدهما مجرد شريك للآخر في المشهد، بل إن وجود كل منهما يعيد تشكيل حضور الثاني. يتحركان وكأن بين جسديهما ذاكرة لم تعد الكلمات قادرة على استعادتها. والجسد هنا يسبق الذاكرة. قبل أن يعرفا من يكونان، يعرف كل منهما كيف يتحرك تجاه الآخر. قبل أن يتذكرا الماضي، يبدأ الحاضر في صناعة علاقة جديدة بينهما. عانى الأداء في بدايته من خفوت نسبي، وكأن الإيقاع احتاج وقتًا حتى يعثر على توازنه، لكن سرعان ما استعاد الثنائي حضوره، وأصبح التفاعل بينهما من أكثر عناصر العرض قدرة على حمل الحالة. إلا أن المشكلة التي ظهرت في التمثيل تلتقي مع مشكلة العرض الأساسية في الانتقال بين مستويات الحكاية. فالشخصيتان تنتقلان من حضورهما الأصلي إلى شخصيات داخل القصص التي يعثران عليها، لكن الحدود بين المستويين لم تكن دائمًا حادة بالقدر الكافي. هذا التداخل يمكن الدفاع عنه دراميًا؛ فربما أراد العرض أن يقول إن الحكايات التي يرويانها ليست منفصلة عنهما، وأنهما يعيدان اكتشاف نفسيهما من خلال الآخرين. لكن حين يصبح التداخل أكبر من قدرة المتلقي على التمييز، يتحول التأويل من مساحة ثراء إلى مساحة تشوش. ومع ذلك، يظل الثنائي قادرًا على إنتاج حالة حركية لافتة. فالحركة لا تأتي دائمًا محملة بدلالة يمكن فكها، لكنها تمتلك إيقاعها الخاص، وطريقة تقديمها تمنحها قدرة على التواصل مع الجمهور، خصوصًا في اللحظات التي يتحول فيها الجسد إلى لغة ثالثة بين الكلام والمكان. وهنا يصبح الجمهور طرفًا آخر في المعادلة. فـ"شمس وقمر" لا يروي قصة حب مكتملة، بل يضعنا أمام مجموعة من المحاولات الفاشلة لاكتمالها. كل قصة جديدة تبدو كأنها تقدم احتمالًا آخر للنجاة، ثم تنتهي بإعادة إنتاج الخسارة نفسها. حبيبان.. خطيبان.. زوجان، أسماء مختلفة لعلاقة واحدة، لكن النهاية واحدة.. الفراق. كأن الحكايات لا تتكرر لأنها متشابهة، بل لأنها محكومة بقانون واحد. وكأن الحب في هذا العالم لا يُهزم لأنه ضعيف، وإنما لأنه يصل متأخرًا، أو مبكرًا، أو في اللحظة التي لا تستطيع الحياة أن تمنحه فيها مكانًا. وهنا تحديدًا يتحول العرض من حكاية رومانسية إلى سؤال وجودي عن التوقيت. هل يكفي أن نجد الشخص الصحيح؟ ربما لا. فقد تجد الشخص الذي يفهمك في الوقت الذي تكون فيه عاجزًا عن فهم نفسك، أو تجد من تكملك بينما تكون حياتك مبنية على ما يمنعك من الاكتمال، أو تلتقي بمن كان يمكن أن يكون «الآخر» في حياة مختلفة، لكنك وصلت إليه بعد أن أغلقت الحياة أبوابها. لذلك لا يصبح الفراق نقيض الحب في "شمس وقمر"، بل يصبح أحد نتائجه المحتملة. فليس كل حب ينتهي بالوصال. وبعض أعظم العلاقات مأساوية تحديدًا لأنها كانت صالحة للوجود، لكنها لم تكن صالحة للاستمرار. من هنا يأتي عنوان العرض بوصفه مفتاحًا لا مجرد اسم. الشمس والقمر لا يبدوان متناقضين فقط؛ إنهما يكملان الصورة ذاتها، لكنهما ينتميان إلى نظام زمني مختلف. كل منهما ضروري، وكل منهما قادر على إضاءة العالم بطريقته، لكن وجود أحدهما في اللحظة نفسها التي يظهر فيها الآخر ليس هو القاعدة. إنهما لا يفشلان في اللقاء لأن أحدهما لا يريد الآخر، بل لأن الكون نفسه لا يمنحهما التوقيت الكافي للقاء. وهذه ربما هي المأساة الأكثر قسوة: أن تكون المشكلة خارج الحب تمامًا. في داخل الإنسان، قد تكون الإجابة واضحة. لكن خارج الإنسان، قد تكون الحياة قد اختارت إجابة أخرى. ولهذا فإن الحبل الذي بدأ بوصفه قيدًا يتحول تدريجيًا إلى استعارة للعلاقة نفسها. الرجل والمرأة لا يستطيعان الابتعاد، لكنهما أيضًا لا يعرفان في البداية ماذا يعني وجود الآخر. القيد يجبرهما على القرب، والقرب يمنحهما فرصة لاكتشاف شيء لم يكن ممكنًا في حالة الانفصال. كأن العرض يقلب المعادلة: قد لا نكتشف من نحتاجه لأننا اخترناه، بل لأن الحياة أجبرتنا على الاقتراب منه. وهنا تكتسب الرحلة داخل القصص معناها الأعمق. إنهما لا يبحثان عن الماضي بقدر ما يبحثان عن معنى وجودهما في اللحظة الراهنة. كل حكاية يسمعانها تسحب منهما شيئًا من الجهل. وكل فراق يشاهدانه يزرع فيهما خوفًا جديدًا من النهاية. حتى يصل العرض إلى السؤال الذي يبدو أنه كان مختبئًا منذ البداية: إذا كانت كل القصص تنتهي بالفراق، فما الذي يجعلنا نستمر في الحب؟ ربما لأن الإنسان لا يحب ضمانًا للمستقبل، وإنما يحب رغم غيابه. وربما لأن قيمة اللقاء لا تقاس بعدد السنوات التي يبقى فيها، وإنما بالأثر الذي يتركه بعد الرحيل. في النهاية، لا يقدم "شمس وقمر" إجابة مريحة. وهذا تحديدًا ما يمنحه صدقه. لا يقول لنا إن الحب ينتصر دائمًا، ولا يبيعنا الوهم التقليدي بأن الشخصين سيجدان طريقهما إلى بعضهما مهما كانت العقبات. بل يتركنا أمام حقيقة أكثر مرارة: قد نلتقي بمن نحتاجه فعلًا، وقد نعرفه، وقد نحبه، ومع ذلك لا نستطيع أن نصنع له مكانًا في حياتنا. وهذا لا يجعل الحب أقل حقيقة، بل ربما يجعله أكثر مأساوية، لأن المأساة ليست في ألا نجد الآخر. المأساة أن نجده، ثم نكتشف أن العالم أوسع من قدرتنا على تغييره، وأن الظروف التي جمعتنا به هي ذاتها التي ستدفعنا بعيدًا عنه. في "شمس وقمر"، لا يبحث الإنسان عن نصفه الآخر بالمعنى التقليدي؛ بل يكتشف أن اكتماله قد يكون مع شخص لا يشبهه أصلًا. فالذي يشبهنا يعيد إلينا صورتنا، أما الذي يختلف عنا، فقد يمنحنا فرصة لرؤية ما لم نره في أنفسنا. ولهذا ربما يكون الخطأ الحقيقي أن نبحث عمن يشبهنا، بينما يكون الفوز في أن نجد من يكمل نقصنا دون أن يلغي اختلافنا. شمس لا تحتاج أن تصبح قمرًا. وقمر لا يحتاج أن يتحول إلى شمس. يكفي أن يعرف كل منهما أنه، رغم استحالة اجتماعهما في السماء، كان ضروريًا لاكتمالها. وهكذا يتركنا العرض أمام حكاية لا تنتهي؛ لأن السؤال الذي يزرعه فينا أكبر من مصير شخصيتيه: ماذا لو قابلنا الشخص الصحيح في الظرف الخطأ؟ ربما لا يكون الحل أن نلعن الظرف، ولا أن ننكر الحب. ربما علينا فقط أن نعترف بأن بعض البشر يدخلون حياتنا لا ليبقوا فيها، وإنما ليكشفوا لنا شيئًا عنها. وفي النهاية، نحن لا نسير في هذه الحياة بحثًا عمن يشبهنا، بقدر ما نبحث عمن يجعلنا أكثر اكتمالًا، حتى لو كان نقيضنا، حتى لو جاء في توقيت مستحيل، حتى لو كان شمسًا وكنا قمرًا. لأن بعض الحكايات لا يفشل فيها الحب.. الذي يفشل هو الوقت.

مقالات مرتبطة

حانة الأحلام
مقال عام عن المهرجان2026

حانة الأحلام

الكاتب: إسلام طه•٦ سبتمبر ٢٠٢٦

يفضل الإنسان أن يتلمس بجوارحه شعور الحرية في أغلب تفاصيل حياته ؛ وعندما يعجز في الحصول عليه من مكان ما فإنه عادة ما يهرب الى مكان آخر يحتمي فيه فيغمس مشاعره بين تفاصيله بحثاً عن الجلوس على عرش السكينة على الأقل ، ويظل يتسائل ؛ متى سترحب الحياة بآلامي...

اقرأ المزيد →

وراء كل درس ثمنه للحياة
مقال عام عن المهرجان2026

وراء كل درس ثمنه للحياة

الكاتب: مروة خالد•٧ سبتمبر ٢٠٢٦

للفن جمال تفهمه أرواحنا ونفرح به يعبر عن أفكارنا مشاعرنا والتي أحيانا نعجز عن شرحهها بالكلام انه تعبير حر بابجديه مغيره والخروج عن المألوف. افتتح المخرج عرضه من خلال مشهدا صامتا خلال بضع ثواني هذا مشهد بدا الممثل احمد ضيف الذي قام بدور الاستاذ قام ب...

اقرأ المزيد →

فقدان السكينة ؛ يؤرقنا كثيراً
مقال عام عن المهرجان2026

فقدان السكينة ؛ يؤرقنا كثيراً

الكاتب: إسلام طه•٧ سبتمبر ٢٠٢٦

من مِنا لم يعان مرة أو عدة مرات في حياته من الأرق ؟ ، من مِنا تمنى أن يَنعم بساعات قليلة تريح عقله وأعضاء جسده ؟ ، أن يرتاح قليلاً من صِراعات الحياة وظروفها المُهلكه ، يغمض عينه فتحتضنه جفونه في سلام هادئ وتطير به الى سماء اللاشئ ؛ حيث يوجد اللاشئ .....

اقرأ المزيد →