العودة إلى القائمة

المهرجان المرتبط

مهرجان الفضاءات غير التقليدية والقاعات الدورة الخامسة

٥ سبتمبر - ١٠ سبتمبر ٢٠٢٦

مقال عام عن المهرجان2026

طوق نجاة

نورهان صلاح الدين
•
٩ سبتمبر ٢٠٢٦
طوق نجاة

إن الجهل العاطفي وغياب الإنصات داخل المحيط الأسري يُنتجان أرواحًا مشوهة ومغتربة؛ إما إنسانً انطوى على نفسه في عزلة اختيارية ليفقد القدرة على التعامل مع العالم، وإما روحًا طردتها القسوة البدنية والنفسية لتبحث عن طوق نجاة في أي مكان آخر، وهنا تتجلى المفارقة الإنسانية الشديدة: أن يجد الفرد أمانه وصوته وإنسانيته المفقودة مع غريب يلتقيه بالصدفة على هامش الحياة، بينما كان الأقربون هم السبب المباشر في هروبه وسحقه، فتبلغ العزلة قسوتها حين تكون تحت سقف واحد مع من يفترض أنهم سندنا. العرض المسرحي "السطح" تأليف وإخراج "مهاب شريف" عن نص "النجاة" "لنجيب محفوظ" يضعنا أمام حقيقة مؤلمة وهي أن المأساة الحقيقية لا تكمن في الغياب الفعلي للأسرة، بل في حضورها الجسدي المشحون بالقسوة والإهمال العاطفي؛ حيث يتحول البيت من مساحة أمان إلى سجن، ويصبح الأهل هم المسبب الأول للوجع بدلاً من الحماية. فيطرح العمل أزمة الوجود الشكلي للعائلة؛ كيف يمكن للبيوت أن تكتظ بالأفراد وتخلو تماماً من الدفء، وكيف يضطر الإنسان إلى المخاطرة بكل شيء لمجرد العثور على شخص يستمع إليه ويفهمه دون أن يجلده، وذلك من خلال قصة شخص يعيش في غرفة فوق سطح أحد المباني في عزلة تامة، هاربًا من أي وجود زائف للأهل، ومن حبيبة خائنة، حتى تباغته فتاة هاربة هي الأخرى من ماضٍ يلاحقها. وقد استغل المخرج هذا السطح الخرساني وحوله من مجرد مساحة مهملة أعلى البنايات إلى فضاء مسرحي موازٍ، يصبح المكان بحد ذاته بطلاً يفرض شروطه الدرامية والجمالية على العرض، فنحن لا نكون أمام مجرد حيلة ديكورية لتمثيل غرفة فوق السطوح، بل نكون أمام استعارة بصرية تعبر عن مفاهيم الهامش، العزلة، التي يعيشها الإنسان في صراعه اليومي مع الواقع. تتأسس رؤية العرض على مفارقة وجودية؛ فالسطح هو المكان الأقرب إلى السماء والأكثر تحررًا من قيود الشارع، ولكنه في الوقت نفسه المكان الأكثر انحصارًا وانكشافًا، حيث تتقاطع فيه مصائر أشخاص يبحثون عن ملجأ أو طوق نجاة، من خلال هذا الفضاء المفتوح واللصيق بالجمهور، يغوص العرض في رحلة تجمع بين الكوميديا المفارقة والتراجيديا الإنسانية الهادئة، داخل فضاء مسرحي غير تقليدي يذيب الحواجز بين الممثل والجمهور ليجعل من المتفرج شريكًا في هذا المأزق الإنساني، نجح المخرج في تقديم استهلال مسرحي ذكي وسريع الإيقاع؛ فبدء العرض بصوت سارينة البوليس مع خروج البطل من وسط الجمهور، هذا التأسيس البصري المقترن بإمساكه بمجلات النساء، رسم ملامح شخصية البطل "حسن خالد" وسذاجتها ببراعة حركية دون الحاجة إلى تمهيد كلامي طويل، وسرعان ما تباغته الفتاة الهاربة "چاسمين خالد" وتهدده بسلاح، ليتدخل سريعًا في الأحداث المحامي صديق البطل "عبد الله عزمي"، اعتمد الإخراج على حركة مشدودة ومفارقات قائمة على الغباء المزدوج بين البطل وصديقه، تميز هذا الجزء بعفوية عالية وتوقيت كوميدي منضبط، خاصة في إلقاء الإفيهات القائمة على استخدام الكلمات المجازية كحقائق مادية، وبعدها دخل ضابط التحقيقات "إبراهيم الألفي" وأضاف حيوية للإيقاع وشكّل علاقة جانبية ممتعة، من خلال علاقته بزوجته التي تريد الخلع، وذلك ما ينشيء علاقة بينه وبين المحامي نستفيد منها لاحقًا في مسار الأحداث. يتصاعد الإيقاع المسرحي في هذا الجزء لينتقل العرض من الكوميديا والهرج الخفيف إلى البوح الإنساني وتقاطع الأزمات، فنعرف من خلال ديالوج إنساني بسيط يبين معاناة كل من البطلين، والذي يكون البذرة لقصة حبهما، وذلك يرجع لشعورهما بأنهما متشابهان في المعاناة التي تتلخص في الوجود الشكلي للعائلة، أثناء سرد البطل لمعاناته تسلطت بؤرة الضوء على الممثلة الجالسة على الكرسي، هذا التوزيع وضع المتفرج في تشتت ذهني بين مصدر الصوت المظلم والكتلة المضاءة الصامتة، كان من الأجدر شمل البطل داخل البؤرة أو إفراده بإضاءة تُبرز انفعالات وجهه التي تبني تعاطف الجمهور مع مأساته، لكن يمكن لهذا أن يكون خطأ تنفيذي في الإضاءة، بينما في منطقة أخرى استخدام بؤرة على يد البطل فور انسحابها، بينما ظل البطل ناظرا ليده وكأنه فقد شيئًا جميلا من بين يديه. استغل المخرج بشكل ذكي مستويات السطح وجغرافيته المفتوحة؛ إذ أضفى ظهور الجار "وائل عوني" من السطح المجاور، متجاوزًا حدود خشبة المسرح التقليدية ليجعل العمارة المحيطة جزءاً أصيلاً من النسيج الدرامي، كما أنها لقطة كوميدية أضافت بهجة للعرض، امتد هذا التوظيف المكاني بذكاء إلى المشهد الانتقالي الذي حثّت فيه الفتاة البطل على التحرر وتجربة الحياة لمرة واحدة، ليتحرك نحو الركن علوي به طاولة صغيرة وزجاجة خمر، كأنه كسر لسجن الوحشة الذي يعيش فيه البطل، وهو تنوع حركي يكسر رتابة المساحة الأفقية ويزيد من حيوية الأداء المسرحي. على مستوى الأداء والتمثيل عمومًا، أبدى الفريق مرونة عالية وسرعة بديهة في التعامل مع طوارئ الفضاء المفتوح والبيئة الحية، تجسد ذلك بوضوح في لحظة كسر مقبض الباب أثناء الفتح، ومحيط العرض الحي الذي شهد مرور قطة عابرة؛ حيث استوعب الممثلون هذه المفاجآت ضمن الفعل الدرامي والتركيز الحسي ببراعة ودون أن ينكسر الإيهام المسرحي أو يتشتت إيقاع المشهد، مما يحسب للياقة الممثلين العالية وقدرتهم على الارتجال غير المحسوس، وتأتي مرحلة الحل لحظة اقتحام الضابط؛ إذ يدخل ليعلن نهاية الأزمة بالقبض على الجاني الحقيقي وحل مشكلة البنت مع أهلها، لتختم الحكاية كما بدأت بلمسة كوميدية عبر ظهور الجار مرة أخرى لنجد وصلة ارتجالية كوميدية لطيفة، لتنتهي الحكاية بإيقاع ساخر كما بدأت. تكمن القوة الحقيقية لعرض "السطح" في بساطته الشديدة؛ فهو يتجرد من التكلف ليمنح المتفرج شعورًا بأنه يتنصت على حوار يومي تلقائي، وليس عرضًا مسرحيًا، هذا التدفق الطبيعي للغة إلى جانب توظيف الفضاء المفتوح، جعل التجربة حية وأقرب لنبض الشارع، مؤكداً أن أعمق القضايا الإنسانية هي تلك التي تُقال بلسان الحياة العادية.

مقالات مرتبطة

حانة الأحلام
مقال عام عن المهرجان2026

حانة الأحلام

الكاتب: إسلام طه•٦ سبتمبر ٢٠٢٦

يفضل الإنسان أن يتلمس بجوارحه شعور الحرية في أغلب تفاصيل حياته ؛ وعندما يعجز في الحصول عليه من مكان ما فإنه عادة ما يهرب الى مكان آخر يحتمي فيه فيغمس مشاعره بين تفاصيله بحثاً عن الجلوس على عرش السكينة على الأقل ، ويظل يتسائل ؛ متى سترحب الحياة بآلامي...

اقرأ المزيد →

وراء كل درس ثمنه للحياة
مقال عام عن المهرجان2026

وراء كل درس ثمنه للحياة

الكاتب: مروة خالد•٧ سبتمبر ٢٠٢٦

للفن جمال تفهمه أرواحنا ونفرح به يعبر عن أفكارنا مشاعرنا والتي أحيانا نعجز عن شرحهها بالكلام انه تعبير حر بابجديه مغيره والخروج عن المألوف. افتتح المخرج عرضه من خلال مشهدا صامتا خلال بضع ثواني هذا مشهد بدا الممثل احمد ضيف الذي قام بدور الاستاذ قام ب...

اقرأ المزيد →

فقدان السكينة ؛ يؤرقنا كثيراً
مقال عام عن المهرجان2026

فقدان السكينة ؛ يؤرقنا كثيراً

الكاتب: إسلام طه•٧ سبتمبر ٢٠٢٦

من مِنا لم يعان مرة أو عدة مرات في حياته من الأرق ؟ ، من مِنا تمنى أن يَنعم بساعات قليلة تريح عقله وأعضاء جسده ؟ ، أن يرتاح قليلاً من صِراعات الحياة وظروفها المُهلكه ، يغمض عينه فتحتضنه جفونه في سلام هادئ وتطير به الى سماء اللاشئ ؛ حيث يوجد اللاشئ .....

اقرأ المزيد →