العودة إلى القائمة

المهرجان المرتبط

مهرجان الفضاءات غير التقليدية والقاعات الدورة الخامسة

٥ سبتمبر - ١٠ سبتمبر ٢٠٢٦

مقال عام عن المهرجان2026

أحترف الحزن والانتظار

مروان عبد العزيز
•
١٣ سبتمبر ٢٠٢٦
أحترف الحزن والانتظار

ذات يومٍ، لم تكن الشمسُ سوى دائرة صغيرة تتدلى منها بعض الخيوط الصفراء في زاوية الورقة، وكانت السماء رغم اتساعها قد ارتضت أن تنحصر في سحابتين زرقاوين. كانت أبسط الرموز تكفي في عين الطفل للتعبير عن ماهية الشيء وجوهره، دون حاجة إلى صورته الكاملة. ربما، كلما تقدم بنا العمر احتجنا إلى أن نعود إلى تلك اللحظة مرات عديدة، فالإنسان يمضي عمره ويفني نفسه في انتظار لحظة فاصلة يظن أنها ستضع حدًا لذلك الالتباس الذي يؤرقه عمرًا كاملًا : من أكون؟ لماذا أظل عالقًا هكذا؟ لعلها لحظة يرى فيها صورته الكاملة، في داخله، وفي مرآة الآخر. والزمن، رغم كل شئ ، يمضي بثقل خطوته إلى الأمام، بينما نظل عالقين في النقطة ذاتها، وننتظر النجاة في الغد القادم، ربما غدًا نستطيع أن نتحرر. ربما غدًا نظفر بالخلاص. وربما يأتي اليوم الذي نقدر فيه أن نبتاع الأجنحة.

ضمن فعاليات مهرجان الفضاءات غير التقليدية بالمعهد العالي للفنون المسرحية في دورته الخامسة، والتي جاءت حاملة اسم "أ.د.عبدربه حسن"، قُدِم العرض المسرحي "بكرة أشتري جناحات" من تأليف "خالد توفيق" وإخراج "ساندرا سامح".

"ونَاسة" امرأة قعيدة، تجلس على الكرسي المتحرك الخاص بها، والذي يتمحور وجودها حول جلستها الدائمة التي لا تتبدل أبدًا، تعيش وحدها في منزلها المتواضع، باستثناء صديقها الطائر"ونّاس" الموضوع في قفص بالقرب منها. ربما تكمن مشكلة "ونّاسة" في لفظ المجتمع لها وعزلتها الروحية وسط عالم مادي لا يرحم. وعندما يوضع الإنسان في مواجهة نفسه لفترة طويلة تتشكل وتتقاطع ثلاثة محاور هامة : الذات، والزمان، والمكان. منذ البداية، لا تتوقف "ونَاسة" عن محاولة الإفلات من تلابيب الذكريات، وصور الماضي التي تأبى أن تتركها، ما بين الحبيب الغائب وفقدان العائلة وعدم قدرتها على تقبل الوضع الحالي، ولا يبدو اختيار اسميّ "ونَاسة" و"وّناس" اختيارًا عابرًا عن طريق الصدفة، فالإسم في مصدره يحيل إلى الشخص الذي يُضفي البهجة والألفة ويُبدد الوحشة على من هم حوله، وتكمن المفارقة هنا بأن الشخصية تعيش أقصى درجات العزلة والوحدة داخل غرفتها المغلقة، وتحاول جاهدة بأن تصبح "ونًاسة" لنفسها دون الحاجة للعالم الخارجي. وكذلك اختيار اسم "ونَاس" للطائر يعكس احتياجها الكامل للألفة والأنس،فالطائر هو المعادل الموضوعي لـ"ونّاسة" فهو لا يقدر على الطيران حتى وإن فُتح باب القفص، تمامًا كجسدها المحبوس داخل الكرسي المتحرك، فتحاول أن تنفصل عن الكرسي في عدة لحظات طوال العرض لتقوم باستدعاء بعض اللقطات المختلفة من ذاكرتها، ثم تعود مرة أخرى إلى نقطة البداية جالسة على الكرسي، فضلًا عن الرسائل العديدة التي تخاطب بها حبيبها الغائب لكن دون جدوى، حتى تصل في بعض اللحظات إلى ذروة الغضب وتقوم بالانفجار في وجه "ونّاس" ومن ثم تهدده بالقتل، ثم في نهاية الأمر تخبره أنها تمزح معه وأنها لا تستطيع التخلي عنه، في انعكاس واضح للتشتت والعلاقة المركبة مع الذات، والتي تتمثل في الرغبة في إنهاء المعاناة ثم الخوف من الفقد الكامل للأنس والرفيق الوحيد.

الانتظار، وجبة الزمن الدسمة. في أحد جوانب الغرفة كان هناك تصميم لإحدى الساعات الذائبة في شكل سريالي، وتتفاعل معها "ونّاسة" في أوقات عدة، لتعبر عن العداء بينها وصوتها الذي يقلقها كثيرًا وكأنها صُممت خصيصًا من أجل إزعاجها، في إشارة إلى العداء الخاص بها مع الانتظار العبثي وحركة الزمن التي تُفرض عليها من خلال العمر الذي يمر وهي حبيسة الكرسي والمكان. في الفلسفة اليونانية القديمة كان هناك مصطلحان لقياس الزمن : الأول هو كرونوس ويُقصد به الزمن المُقاس بالدقائق والساعات والأيام، والثاني هو كايروس والذي يُراد به زمن اللحظة المناسبة أي اللحظة التي يتوقف فيها الشعور بالزمن والحضور في الواقع دون تشتت أو قلق، ووصفه بعض القدماء بأنه اللحظة التي يجب فيها ترك السهم لكي ينطلق بالقوة الكافية والمناسبة لاختراق الهدف. وبين هذين الزمنين تقف "وناسة" في المنتصف، فالزمن من حولها لا يتوقف، ويواصل كرونوس سيره دون توقف، بينما تبدو وكأنها في انتظار لـ كايروس الخاص بها، اللحظة التي يصبح فيها الفعل ممكنًا ويصير الخروج قابلًا للتحقق. لكن المفارقة أن انتظار اللحظة المناسبة قد يتحول هو نفسه إلى حالة من الجمود؛ فبينما تراقب "وناسة" الزمن وهو يمضي، يظل سهمها في القوس، لا لأنها لا تريد الانطلاق، وإنما لأنها لم تعرف بعد: هل حان الوقت حقًا؟

جاء تصميم الغرفة والديكور الذي تولى مهمته "كريم معروف" مناسبًا لطبيعة القاعة والفضاء الذي تم اختياره لتقديم العرض به، بداية من تصميم أحد جوانب الغرفة الذي يحتوي على مرآة لكنها مشوهة وتتكون من بعض القطع المكسورة المفتتة في إشارة إلى نظرة "ونَاسة" المشوهة لذاتها التي تراها من خلال نظرة المجتمع من منطلق الإعاقة، وكان الإطار الخلفي الذي يحوي المرآة بداخله قد جاء في صورة تشبه نبات الصبّار بعض الشئ مما يمكن تفسيره بأنه سياجًا دفاعيًا حول صورة "وناسة" عن نفسها : هي تريد أن ترى صورتها الحقيقية لكنها تحاط بما يمنع الاقتراب الحقيقي منها، كما جاء في أحد أركان الغرفة أيضًا تصميمًا لمطبخ بجميع أدواته، قد م استخدامه في إحدى المناطق التي قامت بها "ونًاسة" بتجسيد دور الأم ومعاناتها مع زوجها المتكاسل الذي لا يُبالي بما يخص أمور البيت أو تربية الأطفال، وكانت تتدلى من سقف الغرفة ستارة بيضاء مُعلقة بالأعلى ذات خامة شفافة، جرى استخدامها في العديد من اللقطات من خلال إنزالها لتلتف حول "وناسة" في حصارها داخل الذكريات والمواقف العالقة في ذاكرتها. ومن ذلك المنطلق يجب الإشارة إلى أن التميز في تصميم المنظر العام كان ملائمًا بشكل كبير بسبب الاستغلال الجيد لحدود القاعة الدائرية،بالإضافة إلى التناغم مع خطة الإضاءة التي تولى تصميمها "أحمد أسامة" والتي كانت موفقة في عكس الحالات المختلفة التي تمر بها "وناسة" طوال العرض بالاشتراك مع المادة الفيلمية و"الفيديو مابينج" الذي تولى مهمته "إبراهيم أبو بكر" في عدة مناطق تخص الساعة الذائبة ولحظات إسدال الستار الأبيض. ولم يقتصر دور الموسيقى التى تولى "محمد الزمر" مهمة الإعداد والتنفيذ الموسيقي لها حول كونها خلفية مصاحبة للأحداث فقط، وإنما جاءت منسجمة بدرجة كبيرة مع التحولات النفسية التي تمر بها "وناسة"، فبدت أكثر حضورًا في اللحظات التي يتصاعد فيها خوفها من الساعة وصوتها المقلق، حيث ساهمت في مضاعفة الإحساس بالتوتر والاضطراب، ومن ثم الانتقال إلى مساحات أكثر هدوءًا ودفئًا خلال لحظات الأمل والتعلق بفكرة الغد والخلاص المنتظر. وربما يكمن سر التميز في موسيقى العرض في طبيعة التنفيذ الذي جاء سلسًا بشكل كبير ونجح في المساهمة في ضبط الإيقاع الخاص ببعض المشاهد وتعزيز أثرها النفسي دون أن تفرض الموسيقى نفسها بصورة تطغى على الأداء التمثيلي داخل العرض.

أما على مستوى الأداء التمثيلي، فقد استطاعت "نادين حسام الدين" في تجسيدها لشخصية "ونًاسة" أن تحمل على عاتقها العبء الأكبر داخل العرض، وهو ما تفرضه طبيعة المونودراما التي تجعل الممثل في مواجهة مباشرة مع الجمهور والفضاء الذي يتم تقديم العرض داخله، وأبدت قدرة كبيرة على الانتقال بين الحالات النفسية المتباينة للشخصية، دون أن تفقد الرابط الذي يجمعها؛ من لحظات الضعف والانكسار، إلى الأمل والرغبة في الخلاص، ثم الغضب والانفجار، وما يتخلل ذلك من لحظات هدوء وارتباك واستدعاء الذاكرة في مناطق عديدة، بالإضافة إلى تنفيذ بعض اللحظات التي تتطلب مجهودًا بدنيًا شاقًا خاصة اللحظات التي تحاول فيها "وناسة" الانفصال عن كرسيها واستعادة شيء من قدرتها على الحركة، كما نجحت في كسر المسافة بينها وبين المتلقي من خلال التفاعل المباشر مع الجمهور في لقطات منفصلة طوال العرض، وهو ما جعل المتلقي لا يكتفي بمراقبة "ونًاسة" في عزلتها فقط بينما يشعر - ولو للحظة - بأنه أحد أطراف عالمها المغلق.

لم تكن كافة العناصر البصرية والأدائية في معزل عن الرؤية الإخراجية الخاصة بالعرض، بينما جاءت في توجيه واعٍ من "ساندرا سامح" في تجربتها الإخراجية الأولى بالمعهد العالي للفنون المسرحية، ورغم صعوبة التجربة وما تفرضه من تحديات على مستوى الإيقاع،وإدارة الممثل، وتوظيف الفضاء الخاص بالعرض المسرحي، فقد نجحت إلى حد كبير في خلق مساحات متنوعة داخل فضاء القاعة الدائرية حالت دون وقوع العرض في الرتابة البصرية. ولكن يمكن القول بأنه قد ظهر في بعض المناطق شيء من التشتت من الممكن أن يكون ناتجًا عن ازدحام الأفكار والمواقف والرموز داخل العرض، وكأن الرغبة في قول كل شيء دفعت أحيانًا إلى إضافة ما كان يمكن الاستغناء عنه، لذلك يجدر القول دائمًا بأن "الإبداع هو فن الحذف" إذ كان يمكن اختزال بعض المناطق، وعلى رأسها منطقة تجسيد "وناسة" لدور الأم وربة المنزل، وتكثيفها في زمن أقصر، بما يسمح بالحفاظ على دلالتها الأساسية دون أن تستحوذ على مساحة أكبر من حاجتها الدرامية. ومع ذلك، يظل "بكرة أشتري جناحات" تجربة تحمل قدرًا واضحًا من الجرأة والمغامرة، ويستحق أن ينال فرصة للعرض في ليالٍ أخرى خارج إطار المسابقة. "رفرف، فليس أمامك والبشر المستبيحون والمستباحون: صاحون، ليس أمامك غير الفرار، الفرار الذي يتجدد كل صباح!" ( أمل دنقل، قصيدة الطيور) نصل في نهاية العرض إلى أكثر اللحظات دلالة وقوة، حين يموت الطائر "ونّاس" داخل القفص، الذي ظل طوال الوقت مرافقًا لـ"ونَاسة"،لكن موت الطائر هنا لا يبدو وكأنه نهاية الونس بقدر ما يبدو إعلانًا عن نهاية الصورة التي اعتادت الشخصية أن تبحث من خلالها عن هذا الونس؛ فالقفص الذي كان يحبس "ونّاس" يصبح في لحظة ما وكأنه يكشف عن قيدٍ أكبر، قيد التعلق بما هو مادي ومحدود، بينما تبدأ "ونّاسة" أخيرًا في الانفصال عن كرسيها وعن المكان الذي ظلت أسيرة له طوال العرض، ويبدو وكأن "وناسة" قد تحررت من خلال قيامها ببعض الحركات التعبيرية الراقصة التي تشبه الحركات المنتمية إلى الصوفية، وفي الثقافة الصوفية يحضر مفهوم الأنس بوصفه حالة تتجاوز الحاجة إلى المؤانسة المادية تتحقق عن طريق التحرر من سجن الجسد، لذلك جاءت الرقصة الأخيرة في حركة دائرية تتناقض ظاهريًا مع كل ذلك الجمود الذي صاحب الشخصية منذ بداية العرض، لكنها للمرة الأولى تمنح دورانها معنى آخر بأن تتحرك دون الكرسي المتحرك وأن تحول الجسد من سجن إلى وسيلة للتحرر، فالأجنحة التي ظلت تحلم بها "ونّاسة" قد تمثلت في قدرتها على تجاوز القيد، وربما لم تكمن الأزمة في قدرتها على أن تبتاع الأجنحة بقدر ما تتمثل في اكتشافها أنها كانت تقدر على التحليق طوال الوقت.

مقالات مرتبطة

حانة الأحلام
مقال عام عن المهرجان2026

حانة الأحلام

الكاتب: إسلام طه•٦ سبتمبر ٢٠٢٦

يفضل الإنسان أن يتلمس بجوارحه شعور الحرية في أغلب تفاصيل حياته ؛ وعندما يعجز في الحصول عليه من مكان ما فإنه عادة ما يهرب الى مكان آخر يحتمي فيه فيغمس مشاعره بين تفاصيله بحثاً عن الجلوس على عرش السكينة على الأقل ، ويظل يتسائل ؛ متى سترحب الحياة بآلامي...

اقرأ المزيد →

وراء كل درس ثمنه للحياة
مقال عام عن المهرجان2026

وراء كل درس ثمنه للحياة

الكاتب: مروة خالد•٧ سبتمبر ٢٠٢٦

للفن جمال تفهمه أرواحنا ونفرح به يعبر عن أفكارنا مشاعرنا والتي أحيانا نعجز عن شرحهها بالكلام انه تعبير حر بابجديه مغيره والخروج عن المألوف. افتتح المخرج عرضه من خلال مشهدا صامتا خلال بضع ثواني هذا مشهد بدا الممثل احمد ضيف الذي قام بدور الاستاذ قام ب...

اقرأ المزيد →

فقدان السكينة ؛ يؤرقنا كثيراً
مقال عام عن المهرجان2026

فقدان السكينة ؛ يؤرقنا كثيراً

الكاتب: إسلام طه•٧ سبتمبر ٢٠٢٦

من مِنا لم يعان مرة أو عدة مرات في حياته من الأرق ؟ ، من مِنا تمنى أن يَنعم بساعات قليلة تريح عقله وأعضاء جسده ؟ ، أن يرتاح قليلاً من صِراعات الحياة وظروفها المُهلكه ، يغمض عينه فتحتضنه جفونه في سلام هادئ وتطير به الى سماء اللاشئ ؛ حيث يوجد اللاشئ .....

اقرأ المزيد →